|
_ 2 _
تحية من الله مباركة
تصرفاتنا في ميزان الإسلام
إخوتنا الكرام
تصرفات المرء في الحياة الدنيا بين أربعة أوصاف:
واجب ينبغي القيام به.
وحرام يتحتم اجتنابه.
ومشتبه يُتَّقَى.
ومباح إن شئت أتيت، وإن شئت تركت.
إلا أن ثمرة هذه التصرفات - إن لم تكن الفوز برضاه عز وجل – ليست إلا سرابا يحسبه الظمآن ماء.
ذلك لأن رضاه سبحانه هو المفتاح الوحيد للنعيم الأبدي في الآخرة بدخول جنة الخلد، وهذه الغاية لا تتحقق إلا بإيمان جوهره الإخلاص، وعمل نيته خالصة. وقوام ذلك كله أن تنوي بما تعتقده وما تعمله وجه الله تعالى.
إن المرء يستطيع أن يقوم بالواجبات نوى بذلك وجه الله تعالى أو لم ينو.
ويستطيع أن يمتنع عن المحرمات تعففا، نوى بذلك وجه الله تعالى أو لم ينو.
ويستطيع أن يتنـزه عن المشتبهات ترفعا، نوى بذلك وجه الله تعالى أو لم ينو.
ويستطيع أن يتمتع بالمباحات لا يسأل عنها ولا تحسب عليه.
ولكنه يستطيع أيضا أن يجعل ذلك كله خالصا لله، فيحسب له في سجل حسناته ويكسب رضا ربه ويدخل جنته.
إن قوما هم الخاسرون حقا، الذين يقومون بالواجبات مكاء وتصدية، ويجتنبون المنهيات من غير أن ينووا بذلك عبادة.
وقوما آخرين أعلى رتبة وأقوم قيلا، هم المخلصون حقا، الذين اتخذوا من كل خطرات قلوبهم وأعمال ليلهم ونهارهم عبادة خالصة لله، أولئك هم المهتدون بالكتاب والسنة، الملتزمون بأخلاق النبوة الخاتمة، القادرون على انتشال أنفسهم من الغبن والضلال، وإنقاذ أمتهم من التخلف.
هؤلاء هم الربانيون في منامهم ويقظتهم، وقيامهم وقعودهم، ووقوفهم وممشاهم، وصمتهم ونطقهم، تناولهم الطعام عبادة، واستراحتهم من التعب قربى، ونومهم بالليل تهجد، وتمتعهم بالمباحات شكر، كل ما لديهم وما يعملون، من الله ولله وفي سبيل الله.
قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ - الزمر 11-.
قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي - الزمر -.
ِإنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ - الزمر -.
قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ - الأعراف 29 -.
قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ - الأنعام 160-163 -
إن الإخلاص جزء من الأمانة والإيمان ، وكون العمل موافقا للشريعة جزء من الأمانة والإيمان، أما إتقان العمل فهو كمال الأمانة والإيمان، بأن تستكمل العمل في طاعة الله، واجبا ومندوبا، وتتخذ من المباحات سبيلا إلى مرضاته عز وجل،، وتبتعد عن معاصي الله محرمات ومكروهات، وتتقي الشبهات استبراء لدينك وعرضك، كما قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم:" إن الحلال بيّن ، وإن الحرام بيّن ، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه" ؛ وذلك هو الإحسان الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم:"الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، وأهل هذه المرتبة هم السابقون المقربون المذكورون في قوله عز وجل في سورة الواقعة : ( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ ) ( فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ )
أرحامنا أمانة لدينا
فَلْيؤَدِّ
كلٌّ مِنَّا أمانته
تحية من الله مباركة
- 3 -
إخوة العقيدة ورحم الصهر والنسب:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
عندما يمتن الله عز وجل على عبد من عباده بنعمة، فإنما
يكون ذلك لعظم هذه النعمة وفضلها وكرامتها.
ولقد امتن تعالى على سيدنا إبراهيم عليه السلام وزوجته
عندما بلغا سن الشيخوخة واليأس من الإنجاب، فبشرهما بإسحاق
ويعقوب عليهما السلام، ثم عَقَّبَ على هذه البشرى فسماها
رحمة بقوله ( قالوا أتعجبين من أمر الله، رحمة الله
وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ) هود 73.
وامتن على سيدنا أيوب عليه السلام إذ نادى ربه أني مسني
الضر وأنت أرحم الراحمين، فآتاه أهله ومثلهم معهم رحمة منه
سبحانه ( فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله
ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين ) الأنبياء 84.
وامتن على سيدنا موسى بأخيه هارون رحمة ربانية فقال: (
ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا ) مريم 53.
والزوجان المؤمنان في سورة الكهف حماهما الله من عقوق
الذرية وطغيانها وكفرها فأبدلهما برحمته ذرية طيبة (
فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما ) الكهف
81.
ثم أجمل الله تعالى فضله على البشرية في علاقاتها
الإنسانية، وامتن بذلك عليها بقوله:
( وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا ) الفرقان
54.
من هذه النصوص القرآنية ، وغيرُها في الكتاب والسنة كثيرٌ،
يتجلى فضل النسب والمصاهرة، وما أفاض الله بهما علينا من
خير ونعمة ورحمة، إذ جعلهما روابط شَدَّ بهما أزرنا وقوَّى
بهما أواصر المودة والمحبة والأُخُوَّة والتعاون فيما
بيننا.
ولذلك وردت النصوص الآمرة بحفظ روابط النسب والصهر، وحسن
رعايتها، والتحذير من يوم المساءلة عنها بين يدي الله
تعالى؛ فقال عز وجل: ( واتقوا الله الذي تساءلون به
والأرحام ) النساء 1.
( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) الأنفال
75.
ثم حذر عز وجل من فسادين كبيرين في هذه العلاقة:
الأول متعلق بقطع الأرحام وإهمالها ( فهل عسيتم إن توليتم
أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ) محمد 22.
والثاني متعلق بإهمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
فيما بين الأرحام، لأن ذلك إثم كبير يسأل عنه المرء يوم
القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب
سليم، ولأن صلاح الأرحام وتقواها عمل صالح غير منقطع يدعو
فيه الخلف للسلف بالمغفرة وحسن العاقبة، قال تعالى: ( لن
تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم، يوم القيامة يفصل بينكم )
الممتحنة3.
أما السنة النبوية المطهرة فقد بينت هذه النصوص القرآنية
وفصلت مجملها، وحضت على رعاية الرحم والصهر وحسن الوفاء
لهما، وحذرت من قطيعتهما والإساءة إليهما، فقال صلى الله
عليه وسلم في الحديث القدسي:
- ( قال الله تعالى: أنا الله وأنا الرحمن، خلقت الرحم،
وشققت لها من اسمي ، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها
بَتَـتُّـه ) أي قطعته قطعا باتا (الترمذي).
- ( خلق الله الخلق فلما فرغ منه قامت الرحم فأخذت بحَقْوِ
الرحمن ، فقال: مَهْ ؟ قالت: هذا مقام العائذ بك من
القطيعة. قال: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟
قالت: بلى يا رب. قال: فذاك. قال أبو هريرة: اقرءوا إن
شئتم: " فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا
أرحامكم " (محمد 22 ).- البخاري -
- ( إن الرَّحِمَ شَجْنة من الرحمن فقال الله: من وصلك
وصلته ومن قطعك قطعته ). _البخاري _
- ( الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني
قطعه الله.) - مسلم -
- وعندما سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا:
أخبرني بعمل يدخلني الجنة، قــال: ( تعبد الله ولا تشرك به
شيئا وتقيم الصلاة وتوتي الزكاة وتصل الرحم.)- البخاري-
- وعندما سألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله
عليه وسلم : يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل
رحمه ويطعم المسكين، فهل ذاك ينفعه؟ قال: ( لا ينفعه، إنه
لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين.) - مسلم -
-وعندما أنزل الملك الكريم أول مرة على رسول الله صلى الله
عليه وسلم قول الله تعالى" اقرأ باسم ربك الذي خلق..."
ورجع صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده ودخل على خديجة
الصديقة قائلا " زملوني زملوني " وأخبرها الخبر قالت له: "
والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحمَ، وتحمل
الكَلَّ، وتَكسب المعدوم، وتَقري الضيف، وتُعين على نوائب
الحق" - البخاري - ؛ فكانت صلة الرحم لديه من الصفات التي
أهلته لحمل أمانة النبوة والرسالة.
لذلك رأيت من الامتثال للتوجيهات الإلهية في الكتاب
والسنة، ومساهمةً مني في توثيق روابط العقيدة، وتقويةً
لأواصر الأخوة والتعاون، وحفاظاً على النسب والصِهْرِ من
عوادي الزمن والتباعد والنسيان والتقاطع،
أن
أساهم في هذا
الموقع المبارك بهذه الكلمة الموجزة لتكون أداةً داعمة
للأرحام آباء وأمهات وإخْوةً وأخواتٍ وأصهارا وأحفادا
وأسباطا وأبناء عمومة وخؤولة وأقارب، إن شاء الله تعالى ،
برحمته ومَنِّهِ وكرمه وإحسانه.
فإليكما أيها الوالد والوالدة الكريمان بِرًّا بكما وحسنَ
رعايةٍ لعهدكما.
وإليكم أيها الأقارب أصولا وفروعا وأرحاما وأصهارا على كل
المستويات في الزاوية التاغية وما حولها.
وإلى الإخوة والأبناء والأحفاد والأسباط ذكورا وإناثا على
مر الأجيال بإذن الله تعالى ومشيئته المباركة.
أهدي هذه الكلمة سائلا المولى عز وجل أن يبارك في الجميع،
ويجعلهم لنا قوة ورحمة ونورا وزكاة وهداية وخيرا كثيرا ،
وأن يعيذ الجميع بكلماته التامات من شر ما خلق، ويعيذهم
بكلماته التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامَّة.
أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه. وإلى لقاء قريب إن شاء
الله تعالى.
الإبن والأخ والعم والخال والصهر
والرحم بفضل الله تعالى:
حسين مطيع الحمداوي
- 5 -
الزوجة إما بطانة خير للدنيا والآخرة
وإما بطانة شر للدنيا والآخرة
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ساعة لا يخرج فيه ولا يلقاه فيها أحد فأتاه أبو بكر رضي الله عنه فقال ما جاء بك يا أبا بكر فقال خرجت للقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والنظر في وجهه والسلام عليه فلم يلبث أن جاء عمر رضي الله عنه فقال له ما جاء بك يا عمر قال الجوع يا رسول الله قال وأنا قد وجدت بعض ذاك فانطلقوا إلى أبي الهيثم بن التيهان الأنصاري وكان رجلا كثير النخل والشاء ولم يكن أحد من خدم فلم يجدوه فقالوا لامرأته أين صاحبك؟ فقالت انطلق يستعذب[ ]لنا الماء فلم يلبثوا أن جاء أبو الهيثم بقربة يزعبها [ ]فوضعها، ثم جاء فالتزم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويفديه بأبيه وأمه، فانطلق بهم إلى حديقة[ ] فبسط لهم بساطا ثم انطلق إلى نخلة فجاء بقنو[ ] فوضعه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلا انتقيت[ ] لنا من رطبه؟ فقال يا رسول الله إني أردت أن تخيروا من بسره ورطبه[ ]، فأكلوا وشربوا من ذلك الماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا والله النعيم الذي أنتم عنه مسئولون يوم القيامة، ظل بارد ورطب طيب وماء بارد، فانطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعاما، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تذبحن ذات در[ ] فذبح لهم عناقا[ ] أو جديا فأتاهم به فأكلوا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل لك خادم؟ قال لا، قال فإذا أتاني سبي[ ] فأتنا فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم برأسين[ ] فأتاه أبو الهيثم فقال يا رسول الله: خادم، فقال له اختر منهما، فقال: يا رسول الله اختر لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المستشار مؤتمن[ ]خذ هذا فإني رأيته يصلي واستوص به معروفا، فانطلق أبو الهيثم بالخادم إلى امرأته فأخبرها بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت له امرأته: ما أنت ببالغ ما قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن تعتقه، فقال: هو عتيق[ ]فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى لم يبعث نبيا ولا خليفة إلا وله بطانتان، بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وبطانة لا تألوه خبالا[ ] من يوق[ ]بطانة السوء فقد وقي[ ] |